ابن الوزان الزياتي
389
وصف افريقيا
الملح « 39 » ثلاثة دنانير ورطل اللحم « 40 » ثلث دينار « 41 » . ولما عجز الشعب عن احتمال هذه المجاعة اشتكى إلى الملك . وأجاب هذا بأنه سيقدم عن طيب خاطر لحم جسده إذا كان ذلك كافيا لإطعامهم جميعا ، معتبرا لحمه قليل القيمة في مقابل وفائهم . واستدعى خمسة أو ستة من سراة المدينة وأرسلهم إلى مطبخه كي يروا وجبة طعامه لذلك اليوم ، وكانت تتألف من خليط من لحم حصان وحبات شعير سليمة ، وأوراق برتقال وزيتون وأشجار أخرى كي يكبر حجمها في بادىء النظر إليها . وبذلك عرف الشعب أن الشدّة التي يعانيها الملك كانت أكبر من ضيق أي واحد من المواطنين . وحينئذ استدعى الملك « 42 » أولاده وأخوته وحفدته وتوجه إليهم بكلام مؤثر وخلص من كلامه إلى أنه مستعد للموت بشجاعة أمام العدو عوضا عن الاستمرار في حياة مهينة وبائسة . وشعر هؤلاء بنفس الشجاعة التي كانت لديه وانه ليس أمامهم إلا اللحاق به غدا . وقد عبّر الشعب قاطبة عن رضاه . ولكن شاء الحظ السعيد أن حدث في نفس الصباح الذي تحدّد فيه موعد خروجهم أن قتل الملك يوسف بيد أحد خصيانه في أثناء نوبة جنون اعترته . وقد فت الخبر في عضد المحاصرين ، ولما انتقل الخبر إلى تلمسان ، زاد من جرأة السكان الشجعان ، فنفروا جميعا لقتال أعدائهم وفي مقدمتهم الملك نفسه ، وأحرزوا انتصارا لم يكن في حسبان الملك في بادىء الأمر . وقد قتل عدد كبير من الأعداء ولاذ كثير منهم بالفرار بدون نظام . واستولى الجيش المنتصر على كثير من الماشية التي اضطر العدو إلى التخلي عنها . ونعمت المدينة بعد مجاعتها برخاء كبير حتى إن كيل القمح « 43 » الذي كان سعره في الصباح ثلاثة دنانير أصبح بدرهمين عند الظهيرة « 44 » ، غير أن كلّا منهم كان يعاني الكثير من الألم بسبب طول الحصار الذي خضع له . وبعد أربعين عاما من ذلك بنى أبو الحسن - وهو رابع ملك في فاس من الأسرة المرينية - مدينة على مسافة ميلين غربي تلمسان وحاصر تلمسان بالعديد من الجيوش .
--> ( 39 ) 7 ، 13 لتر . ( 40 ) أي 340 غرام . ( 41 ) لا نعرف قيمة الدينار الزياني في ذلك العصر ، ولعله كان يعادل 14 غرام ذهب . ( 42 ) هو أبو زيّان محمد . ( 43 ) 17 ، 13 لتر . ( 44 ) أو 13 سنت ذهب .